عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
535
اللباب في علوم الكتاب
ذلك ، ويدلّ على الثاني قراءة عيسى « 1 » بن عمر « ويذهب » بياء الغيبة وجزمه ، ونقل أبو البقاء قراءة الجزم ولم يقيّدها بياء الغيبة . وقرأ أبو حيوة وأبان « 2 » وعصمة « ويذهب » بياء الغيبة ونصبه . وقرأ الحسن « 3 » « فتفشلوا » بكسر الشين ، قال أبو حاتم : « هذا غير معروف » وقال غيره : إنّها لغة ثانية . فصل [ في احتجاج نفاة القياس بهذه الآية ] احتجّ نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : القياس يفضي إلى المنازعة ، والمنازعة محرّمة بهذه الآية ؛ فوجب أن يكون العمل بالقياس محرما ببيان الملازمة ، فإنّا نشاهد الدّنيا مملوءة من الاختلافات بسبب القياس . وأيضا القائلون بأنّ النّص لا يجوز تخصيصه بالقياس تمسّكوا بهذه الآية ، وقالوا : قوله تعالى : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ صريح في وجوب طاعة اللّه ورسوله في كل ما نصّا عليه ، ثم أتبعه بقوله : « وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ » ومن تمسّك بالقياس المخصص بالنّصّ فقد ترك طاعة اللّه وطاعة رسوله ، وتمسّك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل ، وكلّ ذلك حرام . والجواب : بأنّه ليس كلّ قياس يوجب المنازعة . قوله : « وَلا تَنازَعُوا » معطوف على قوله : « فاثبتوا » وهو جواب الشّرط في قوله : « إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً » فالمحرّم التنازع عند لقاء فئة الكفّار ، فلا حجة فيها ، وأيضا : فقد ترتّب على التنازع الفشل وذهاب الريح التي هي الدولة ، وذلك لا يترتّب على القياس . ثم قال : وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ والمقصود أنّ كمال أمر الجهاد مبنيّ على الصّبر فأمرهم بالصبر . كما قال في آية أخرى : اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا [ آل عمران : 200 ] . عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد اللّه وكان كاتبا له ، قال : كتب إليه عبد اللّه بن أبي أوفى أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض أيّامه الّتي لقي فيها العدو ، انتظر حتّى مالت الشّمس ، ثمّ قام في النّاس ، فقال : « يا أيّها النّاس لا تتمنوا لقاء العدوّ ، وأسألوا اللّه العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السّيوف » ثم قال : « اللّهمّ منزل الكتاب ، ومجري السّحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم ، وانصرنا عليهم » « 4 » .
--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 226 ، المحرر الوجيز 2 / 536 ، البحر المحيط 4 / 499 ، الدر المصون 3 / 425 . ( 2 ) المصادر السابقة . ( 3 ) قاله أبو حاتم عن إبراهيم . ينظر : المحرر الوجيز 2 / 536 ، البحر المحيط 4 / 499 ، إتحاف 2 / 81 . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 6 / 120 ) كتاب الجهاد : باب كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا لم يقاتل حديث ( 2966 ) ومسلم ( 3 / 1362 - 1363 ) كتاب الجهاد والسير : باب كراهة تمني لقاء العدو ( 20 / 1742 ) من حديث سالم أبي النضر .